محمد الغزالي

34

فقه السيرة ( الغزالي )

قال المفسّرون : خوطبت الأمة في شخص رسولها كما تصدر الأوامر إلى القائد ، مع أنّ الجند هم المنفّذون . وقيل : بل الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام على طريق الإهاجة واستثارة الهمّة ، يقال للقوي البادي العزم : لا تهن ، وللعاقل الصحيح الذهن : لا تغافل ، وليس يخاف عليهما وهن ولا غفلة ، ولكن الأمر تحريض على استدامة القوة والذكاء ، والشجاع يزداد على الموت إقبالا إذا قيل له : لا تجبن . وسواء كان هذا أم ذاك فإنّ الرسول عليه الصلاة والسلام مناط الأسوة الحسنة ، ومن سلوكه يأخذ الناس مثلهم الأعلى ، وقد أمر وأمرنا معه بالتوجس من الضالين ، والتنائي عن خلقهم وعملهم ، وازدراء متاعهم وغرورهم ؛ وذلك لأن هناك أحيانا شتى يضعف فيها الحقّ ، ويعزّ التمسّك به ، ويقوى فيها الباطل ، وتكثر المغريات على مصادقته ، أو مهادنته . ومن حقّ العقائد على أصحابها أن يتشدّدوا في تدعيم جانبها ، وأن يتنكّروا لما يمسّها من بعيد . والأوامر التي تنظّم هذه المشاعر لن تنقصها الصّرامة ، وماذا بعد أن يقول اللّه لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 65 ) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 66 ) [ الزمر ] . إن هذا الخطاب يقرع اذاننا ، وله مغزاه ، كما قيل : « إياك أعني واسمعي يا جارة » « 1 » ، وقد كان لهذا الأسلوب أثره في تأليب المسلمين على الفساد ، وترهيبهم من الرّكون إليه ، بله الوقوع فيه . وأقوال المفسّرين التي سردناها تنطبق أيضا على الآية : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [ يونس : 94 ] . الخطاب للقارئ ، أو السامع ، أو للرسول عليه الصلاة والسلام نفسه على جهة التهييج والتحريض كما علمت : إذ إنّ الرسول عليه الصلاة والسلام لن يقع

--> ( 1 ) مثل يضرب للتعريف بالشيء يبديه الرجل ، وهو يريد غيره ، وأول من قاله سهل بن مالك الفزاري في أخت حارثة بن لأم الطائي : يا أخت خير البدو والحضاره * كيف ترين في فتى فزاره أصبح يهوى حرّة معطاره * إياك أعني واسمعي يا جاره انظر : الأمثال ، لأبي عبيد الميداني : 1 / 49 . ( ن ) .